أبو الليث السمرقندي
393
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
منافع عصاه فقال : أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي « 1 » وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى يعني : حوائج أخرى ، وواحدها : مأربة . وقال مقاتل : كان موسى يحمل زاده على عصاه إذا سار ، وكان يركزها في الأرض فيخرج الماء ، وتضيء له بالليل بغير قمر ، فيهتدي على غنمه . وروى أسباط عن السدي قال : كانت عصا موسى من عود شجر آس من شجر الجنة ، وكان استودعها إياه ملك من الملائكة في صورة إنسان ، يعني : عند شعيب ، وقال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : « كانت عصا موسى من عود ورد من شجر الجنة اثني عشر ذراعا من ذراع موسى » . قوله تعالى : قالَ أَلْقِها يا مُوسى يعني : ألق عصاك من يدك ، فظن موسى أنه يأمره بإلقائها على وجه الرفض ، فلم يجد بدا فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى يعني : تسرح وتسير على بطنها رافعة رأسها ، فخاف موسى وولى هاربا قالَ اللّه تعالى لموسى : خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى يعني : سنجعلها عصا كما كانت أول مرة . وأصل السيرة : الطريقة كما يقال : فلان على سيرة فلان ، أي : على طريقته ، وإنما صار نصبا لنزع الخافض ، والمعنى : سنعيدها إلى حالها الأولى ، فتناولها موسى فإذا هي عصا كما كانت . ثم قال عز وجل : وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ قال الكلبي : الجناح أسفل الإبط ، يعني : أدخل يدك تحت إبطك تَخْرُجْ بَيْضاءَ لها شعاع يضيء كضوء الشمس مِنْ غَيْرِ سُوءٍ يعني : من غير برص آيَةً أُخْرى يعني : علامة أخرى مع العصا لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى يعني : العظمى ، ومعناه : لنريك الكبرى من آياتنا ، ولهذا لم يقل الكبريات ، لأنه وقع المعنى على واحدة . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 24 إلى 36 ] اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ( 24 ) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ( 25 ) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ( 26 ) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ( 27 ) يَفْقَهُوا قَوْلِي ( 28 ) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ( 29 ) هارُونَ أَخِي ( 30 ) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ( 31 ) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ( 32 ) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً ( 33 ) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً ( 34 ) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً ( 35 ) قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ( 36 ) ثم قال تعالى : اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ، يعني : علا وتكبر وادعى الربوبية ، يعني : اذهب إليه وادعه إلى الإسلام . قالَ موسى عليه السلام : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ، يعني : يا رب وسّع لي قلبي حتى لا أخاف منه ، ويقال : ليّن قلبي بالإسلام حتى أثبت عليه ، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ؛ يعني : هوّن عليّ ما أمرتني به ، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ؛ يعني : ابسط العقدة أي : الرثة من لساني يَفْقَهُوا قَوْلِي ، يعني : يفهموا كلامي . وذلك أن موسى عليه السلام في حال صغره رفعه فرعون في حجره ، فلطمه موسى لطمة ، ويقال : أخذ بلحيته ومدها إلى الأرض ،
--> ( 1 ) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة « ب » .